Thursday, April 28, 2016

قصة عشرة وزراء داخلية من شعراوى جمعة إلى حبيب العادلى.................تاريخ حافل ادخل لا يفوتك

لم يكن مشهد خروج اللواء حبيب العادلى وزير الداخلية من منصبه، استثناء من القاعدة العامة التى حكمت خروج وزراء الداخلية من مناصبهم طوال حكم الرئيس مبارك، وتمثلت هذه القاعدة فى أن خروج كل وزير منهم يأتى بعد حدث كبير، يعبر عن فعل سياسى عام ينتهى بإقالة هذا الوزير، ولم تقتصر هذه القاعدة على فترة حكم الرئيس مبارك فقط والتى بدأت من عام 1981، وإنما تعود أيضا إلى فترة الرئيس أنور السادات التى بدأت من عام 1970 حتى عام 1981.



القائمة تشمل منذ بداية السبعينيات، شعراوى جمعة، وممدوح سالم، وسيد فهمى، والنبوى إسماعيل، وحسن أبوباشا، وأحمد رشدى، وزكى بدر، وعبد الحليم موسى، وحسن الألفى، وحبيب العادلى.

شعراوى جمعة

ومع تتبع هذه القائمة من الأسماء، سنجد أن كل اسم يعكس مناخا سياسيا عاما لكل مرحلة تولى فيها وزارة الداخلية، كما أن القليل منهم تمتع بالجمع بين مهارة السياسى والأمنى، ويأتى فى مقدمة هؤلاء شعراوى جمعة وزير الداخلية الذى اختاره جمال عبدالناصر لهذا المنصب فى الستينيات من القرن الماضى، وظل فيه حتى اعتقاله بقرار من الرئيس السادات يوم 15 مايو عام 1971، وذلك على أثر الصراع الذى دار بين الرئيس السادات وعدد من القيادات التى عملت بجوار جمال عبدالناصر، وتجلت أبرز فصول هذا الصراع فى تقديم هذه القيادات لاستقالتها ظنا منها أن هذه الخطوة ستؤدى إلى حدوث فراغ فى السلطة يجبر السادات على الاستقالة، لكن الأمر انتهى باعتقال السادات لهذه القيادات وتقديمهم إلى المحاكمة، وكان شعراوى جمعة وزير الداخلية من بينهم، ونال حكما بالسجن، واستمر خلف القضبان لسنوات امتدت تقريبا إلى مطلع الثمانينيات من القرن الماضى.
كانت القضية التى تم بسببها سجن شعراوى جمعة سياسية أولا وأخيرا، كما أن شعراوى نفسه كان سياسيا كبيرا، أدار وزارة الداخلية بعقلية السياسى قبل أن يديرها بعقلية الأمنى، ومن هذا المنطلق ترك بصماته على أجيال من ضباط الوزارة خاصة من أصحاب الرتب الكبيرة، حيث تمتع هؤلاء بالجمع بين السياسى والأمنى، ولم يكن مفهوم الأمن العام وقتئذ قد غلب عليه كما هو حادث الآن تأمين الوزراء والمسؤولين، وصرف كل الاهتمام الأمنى نحو هذا الاتجاه.
عاش شعراوى جمعة نزيها شريفا فى سمعته، وقبل أن يتولى وزارة الداخلية شغل منصب محافظ السويس لسنوات، ويذكر أهل السويس حكايات أسطورية عنه كالتخفى نهارا وليلا من أجل الوقوف على أحوال المحافظة، وبعد خروجه من السجن ظل لسنوات يلازم بيته فى مصر الجديدة، كتب خلالها مذكراته، ومارس العمل السياسى من خلال تجربة الحزب الاشتراكى الناصرى «تحت التأسيس» بقيادة فريد عبدالكريم، وتوفى فى نهاية الثمانينيات من القرن الماضى حزينا على وفاة ابنه الوحيد الذى رحل شابا، فترك فى قلب والده حزنا مقيما، جعله غير مقبل على الحياة، فمرض لفترة قصيرة حتى توفى فى نهاية الثمانينيات من القرن الماضى.

ممدوح سالم

جاء ممدوح سالم خلفا لشعراوى جمعة، وهو من سلالة وزراء الداخلية الذين مزجوا بين السياسى والأمنى، وفى عهد وزارته شهدت مصر فترة ساخنة، تمثلت فى مظاهرات الطلاب الشهيرة فى عام 1972، وهى المظاهرات التى خرج فيها الطلاب إلى ميدان التحرير كما هو حادث الآن، وظلوا فى الميدان حتى الليل وتم تفريقهم من الشرطة أيضا، وأدى المزج بين السياسى والأمنى عند ممدوح سالم لأن يختاره السادات رئيسا للوزراء، ويعد هو وزير الداخلية الوحيد فى الفترة من بداية السبعينيات وحتى الآن الذى تولى رئاسة وزراء مصر، ويحسب له أنه أشرف على انتخابات مجلس الشعب عام 1976، وهى الانتخابات التى يذكرها الكثير باعتبارها الأفضل فى النزاهة من حيث أنها كانت تحت إشراف وزارة الداخلية، وخرج ممدوح سالم من رئاسة الوزراء ليعيش فى الظل بعيدا عن الأضواء، وعاش فى رحلة مرضه وحيدا حيث لم يكن متزوجا، وبلغت وحدته درجة أن طالب البعض بأن تتحمل الدولة نفقات علاجه.

سيد فهمى والنبوى إسماعيل

فى مرحلة السبعينيات، حدثت مظاهرات الخبز فى 18 و19 يناير عام 1977، وهى المظاهرات التى فوجئ بها الرئيس السادات أثناء تواجده فى أسوان، واندلعت على خلفية رفع الأسعار، وكان اللواء سيد فهمى هو وزير الداخلية وقتها خلفا لممدوح سالم، ومع حدة هذه المظاهرات قرر الرئيس السادات التراجع عن القرارات الاقتصادية التى كان مهندسها وقتئذ الدكتور عبدالمنعم القيسونى وزير المالية، وبالرغم من هذا التراجع، إلا أن الرئيس السادات قام بتغييرات فى الطاقم الوزارى، وكان سيد فهمى ضمن الوزراء الذين خرجوا، لفشله فى التعامل الأمنى مع المظاهرات التى انتهت باعتقال المئات من الكوادر اليسارية سواء كانت الموجودة فى حزب التجمع، أو تلك الموجودة خارجه، ومن سيد فهمى إلى اختيار النبوى إسماعيل وزيرا للداخلية بدأت مرحلة جديدة تماما فى تعامل وزارة الداخلية مع الحياة السياسية اشتهرت بتعدد حالات الاعتقال، بالإضافة إلى تراجع الحياة الحزبية تماما حيث جمد حزب التجمع نشاطه، وشهدت هذه المرحلة توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وبدء مرحلة السلام مع إسرائيل، ومن هذا التحول السياسى الكبير، بدأت الذراع الأمنية فى الامتداد شيئا فشيئا فى كافة مناحى الحياة، وكانت أبرز مظاهره نزول الحرس الجامعى إلى جامعات مصر، وبدء التدخل الأمنى فى انتخابات اتحاد الطلاب، كما شهدت هذه المرحلة أيضا التزوير الكبير فى انتخابات مجلس الشعب عام 1979، حيث تم إسقاط العديد من رموز المعارضة مثل خالد محيى الدين، وكمال الدين حسين عضو مجلس قيادة ثورة يوليو بعد أن نجح فى دائرة بنها عام 1976، وأبو العز الحريرى وكمال أحمد وعادل عيد ومحمود القاضى وقبارى عبدالله والشيخ المحلاوى، وغيرهم ممن رفضوا اتفاقية كامب ديفيد وقت أن تم عرضها على مجلس الشعب، وشهدت هذه المرحلة أيضا عددا من الاستفتاءات المزورة مثل الاستفتاء على قانون العيب الذى أصدره السادات، وتزامن مع ذلك نشاط واسع للجماعات الإسلامية، وتنظيم الجهاد، وانتهى هذا الفصل من تاريخ مصر باغتيال السادات فى 6 أكتوبر عام 1981، وسبق الاغتيال حملة اعتقالات واسعة نفذها النبوى إسماعيل، وهى الاعتقالات التى لم تشهد مصر لها مثيلا، وانتهى عهد النبوى بعد أن ارتبط فى أذهان المصريين بمقولة كان يرددها أمام السادات وهى: «كله تمام يا ريس».

حسن أبوباشا

بعد اغتيال السادات وتولى حسنى مبارك تمت إقالة النبوى إسماعيل وتولى حسن أبوباشا وزارة الداخلية، وكانت هذه المرحلة بمثابة المرحلة الانتقالية من عهد أمنى مثله النبوى إسماعيل بما حمله من تضييق كبير واعتقالات بالجملة، إلى مرحلة كانت تحتاج فيها مصر إلى التقاط الأنفاس، وكان أبوباشا من نماذج الوزراء الذين يجمعون بين السياسى والأمنى، وهو كما قيل وقتها من ضباط الداخلية الذين كانوا متأثرين إلى حد كبير بشعراوى جمعة، وكان أمام أبوباشا ملفات كثيرة أهمها على الإطلاق ملف التيارات الإسلامية التى اتخذت العنف وسيلة فى التعبير عن رأيها، ويسجل الدكتور يحيى الجمل شهادته عن أبوباشا الذى لم يستمر أكثر من عامين فى منصبه (1982 _ 1984)، وهى الشهادة التى تكشف، كيف كان الرجل يحمل فهما سياسيا واسعا لعمل وزير الداخلية، يقول يحيى الجمل أن أبوباشا وقف فى مجلس الوزراء أثناء انتخابات مجلس الشعب عام 1984، ليقول أنه لا يريد أن يتحمل مسؤولية ما حدث من تزوير فى الانتخابات من حيث أعداد الحاضرين، ومن حيث الذين أعلن نجاحهم وهم غير ناجحين، والذين أعلن فشلهم وهم فائزون، وارتفع صوت وزير الداخلية وارتفع صوت رئيس الوزراء فؤاد محيى الدين، وانسحب أبوباشا من جلسة المجلس، ويقول يحيى الجمل أنه يشهد أن أبوباشا بذل جهدا كبيرا فى إنهاء مشكلة البابا شنودة بعد قرار السادات بتنحيته وتشكيل لجنة خماسية لإدارة الكنيسة، وساهم أبوباشا بجهد كبير فى إعادة البابا إلى مكانه، كما أجرى الرجل حوارات مع العديد من قيادات التيارات الإسلامية التى كانت فى السجن بعد اغتيال السادات.، وبعد كل هذا الجهد تم ركن أبوباشا بنقله ليكون وزير الإدارة المحلية وتولى أحمد رشدى وزيرا للداخلية.

أحمد رشدى

فى سجل أحمد رشدى منذ أن كان ضابطا أنه كان الضابط الذى قدم رأفت الهجان إلى المخابرات المصرية، لتعده فى عملية كبيرة تعد من مفاخر المخابرات المصرية، ووضع رشدى فى فترة عمله وزيرا أجندة نجح فيها إلى حد كبير تمثلت فى حربه ضد تجار المخدرات، ومع سيرته النظيفة وجهده الفائق فى عمله، انفجرت أحداث الأمن المركزى التى اختلفت الآراء حول أسبابها، واندلعت على أثر شائعة بمد خدمة تجنيد الأمن المركزى إلى أربع سنوات، ويرى البعض أن هذه الشائعة تم تسريبها عمدا من أجل إجبار رشدى على الخروج من الوزارة، بعد أن بلغت شعبيته حدا كبيرا، ونزل الجيش وقتها إلى الشارع وتمت إقالة أحمد رشدى، ليتولى بعده زكى بدر.

بدر وموسى والألفى

كانت فترة زكى بدر نموذجا فى الاحتقان السياسى من فرط هجومه الشديد عليها بألفاظ خادشة، وبالرغم من قاموسه الخادش والهجوم الضارى عليه من كافة القوى السياسية، بالإضافة إلى حملات الاعتقالات التى شنتها أجهزة الأمن ضد المعارضين، وتعرضهم لحالات تعذيب شديدة، وكان أشهرهم المفكر الراحل الدكتور محمد السيد سعيد، بالإضافة إلى المعتقلين من تنظيم ثورة مصر المسلح الذى قام باغتيال عدد من الإسرائيليين فى مصر، وكمال أبوعيطة الذى تم اعتقاله وقرر بدر أن يقضى فترة من اعتقاله فى سجون الصعيد، ورغم كل ذلك إلا أن الرئيس مبارك ظل محتفظا به بل يبدى الإعجاب به، وظل زكى بدر فى منصبه حتى تم التسجيل للقاء له عقده فى بنها، هاجم فيه كل رموز مصر الفكرية والسياسية، وكان فى مقدمتهم أحمد بهاء الدين ويوسف إدريس وغيرهم، وقامت صحيفة الشعب الناطقة بلسان حزب العمل «المجمد» بنشر تفاصيل ما ذكره بدر، ليتم بعدها إقالته فورا، ليتولى اللواء عبدالحليم موسى وزارة الداخلية.
فى فترة عبدالحليم موسى الذى اشتهر بلقب «شيخ العرب» اشتد عود العمليات الإرهابية فى مصرخلالها، وكان الإرهاب هو عنوان مرحلة موسى بامتياز، ومع اشتداد هذه الموجة كانت وسائل مواجهتها متعددة، وضمن هذه الوسائل إجراء الداخلية لحوارات مع قيادات الجهاد والجماعة الإسلامية، بالإضافة إلى رموز من رجال الدين مثل الشيخ محمد متولى الشعراوى من أجل عقد هدنة، وكان هو طرفها شخصيا، وقوبلت هذه الخطوة بهجوم شديد لأنها تنتقص من سيادة الدولة، حيث وضعت الإرهابيين فى طرف والدولة فى طرف، ونتج عنها إقالة موسى لتدخل مصر فى عهد حسن الألفى كوزير للداخلية.
يتذكر الكل المشهد النهائى لوزير الداخلية حسن الألفى، وذلك أثناء تنفيذ العملية الإرهابية فى الأقصر، وهى العملية التى تمت فى نوفمبر عام 1997، واستهدفت ضرب السياحة فى مصر، وفى مشهد يتذكره الجميع، ذهب الرئيس مبارك إلى مكان الجريمة، ليكتشف أن الحراسة الموجودة بائسة، وحمل الرئيس مبارك جنديا ورماه على الألفى قائلا: «ده تهريج»، وذلك بعد أن سأله عما إذا كان فى بندقيته ذخيرة فأجابه بـ «لا»، وعاد الألفى من الأقصر إلى منزله ليتولى حبيب العادلى وزارة الداخلية منذ نوفمبر عام 1997 حتى إقالته مع أحداث ثورة 25 يناير 2011 وبخروج العادلى فتحت ملفات كثيرة.

العادلى

لم يكن أحد يتوقع أن حبيب العادلى ستكون نهايته بالطريقة التى خرج بها، ولم يكن أحد يتوقع أنه سيأتى اليوم الذى سيكون فيه ممنوعا من السفر والحجز على أرصدته، حول العادلى العلاقة بين الأمن والشعب إلى علاقة كراهية شديدة، ففى عهده شهد الشعب المصرى أقسى درجات التزوير فى الانتخابات، وفى عهده غابت الخلطة بين ماهو سياسى وأمنى فى شخص وزير الداخلية التى تمتع بها وزراء سابقون، وفى عهده أصبح الأمن تقريبا هو المهيمن على الحالة السياسية، والمثير فى كل ذلك أنه بقى فى منصبه رغم تعدد حالات الإرهاب، وكان آخرها تفجير كنيسة القديسين فى مطلع الشهر الماضى، وسبقها قبل ذلك تفجيرات الحسين وطابا، ومحاولة اغتيال الرئيس مبارك فى بورسعيد، ولم يتم التوصل إلى المتهمين الحقيقيين فى كل هذه الأحداث.
كان أمن المسؤولين وخاصة الرئيس مبارك والعائلة هو أهم مهام العادلى، ومن خلال ذلك ضمن بقاءه أطول فترة ممكنة، وانتهت إلى جريمته يوم الجمعة 28 يناير حين انسحب رجاله ليتركوا مصر فى حالة فراغ أمنى بالغ.

No comments:

Post a Comment